القاهرة: الأمير كمال فرج.
تغطي كاميرات «فلوك» (Flock) المدعومة بالذكاء الاصطناعي مختلف أنحاء المدن، بينما تعكف شركات الوساطة البياناتية على ترويج ملفات تعريفية ضخمة ومفصلة عن كل فرد لصالح وكالات حكومية مشبوهة، ناهيك عن شبكات المراقبة المنزلية حيث يتجسس الجيران على بعضهم بعضاً عبر كاميرات أجراس الأبواب، سواء بقصد أو بغيره.
ذكر فرانك لانديمور في تقرير نشره موقع Futurism إن "هذا المشهد المرعب يُمثل بلا شك كابوساً مروعاً لكل المدافعين عن الخصوصية الشخصية، غير أنه يطرح في الوقت ذاته تحدياً استثنائياً وصداعاً مزمناً أمام كُتاب روايات الجريمة والتشويق في عصر «البانوبتيكون» الرقمي أو ما يُعرف بـ «المراقبة الشاملة»".
نهاية الحيل الكلاسيكية
لقد ولت إلى غير رجعة الأيام التي كان فيها المجرم الخيالي يكتفي بارتداء شارب مستعار وقبعة لإخفاء هويته والإفلات بجريمته، أو عمد إلى مسح بصماته عن سلاح الجريمة وتركه بطريقة توحي بأنها حادثة انتحار.
فلكي تظل أعمالهم مقنعة وراسخة في واقع معيش، بات لزاماً على كُتاب أدب الجريمة مواكبة التطورات المذهلة في تقنيات المراقبة المعاصرة بالقدر ذاته الذي يفعله المجرم المحترف تماماً. وإذا فشل المؤلفون في احتساب هذا الحضور الطاغي للمراقبة الرقمية الحديثة في كل زاوية، فسيخسرون حتماً ثقة جمهورهم ومصداقية حبكاتهم.
وفي هذا السياق، تؤكد سامانثا داونينج، مؤلفة رواية الإثارة الأكثر مبيعاً «Too Old for This»، في تصريحات لصحيفة Mercury News: «لن يسمح لك القراء بالإفلات من هذه الثغرات. إذا كنت تكتب قصة تدور حول لغز جريمة قتل، فعليك أخذ كل هذه المعطيات في الحسبان. أنا شخصياً أُحاول توظيفها لمصلحتي، رغم أنه كان سيكون من الأسهل بكثير لو لم تكن موجودة من الأساس».
وفي روايتها الصادرة عام 2025 «Too Old for This»، توظف داونينج هذا التوتر ببراعة ليصبح جوهر الحبكة الدرامية؛ حيث تبذل البطلة، وهي قاتلة متسلسلة تبلغ من العمر 75 عاماً، جهداً شاقاً وواعياً للتحرر من قيود تقنيات الرصد، كأن تعمد إلى تغطية لوحة سيارتها لتتفادى شبكة كاميرات رصد لوحات المرور المنتشرة في عموم البلاد.
وتوضح داونينج للصحيفة قائلة: «عندما تكون على وشك ارتكاب فعل إجرامي، تترك هاتفها خلفها، وقد وضعت لنفسها ملاحظة صغيرة تذكرها بذلك: "اترك الهاتف".. لأنها في الخامسة والسبعين من عمرها وعادة ما تنسى».
التكنولوجيا سلاح ذو حدين
من جهته، يستثمر مؤلف روايات التحقيقات مارك كوجينز –وهو مهندس برمجيات سابق في شركات بارزة بوادي السيلكون مثل Mozilla وNetscape وHP– خلفيته التقنية لاستكشاف الكيفية التي تُستغل بها هذه التكنولوجيا لتسهيل ارتكاب الجرائم ذاتها.
ويشير كوجينز للصحيفة إلى أنه وصف في إحدى رواياته «كيف أقدم تقني على قتل تقني آخر، لافتاً التهمة إلى طرف ثالث باستخدام مقاطع فيديو مزيفة مولدة بالذكاء الاصطناعي». وعلى المستوى الشخصي، أبدى قلقه البالغ حيال احتمالات إساءة استخدام أدوات المراقبة لاستهداف المتظاهرين والناشطين، متخيلًا حبكة روائية مستقبلية يحاول فيها محقق شجاع تبرئة شخص سقط ضحية لاتهامات باطلة لُفقت له عبر أنظمة الرصد الرقمي.
ولا تزال الشواهد تتوالى على الانحرافات الخطيرة في استخدام هذا الجيل الجديد من كاميرات الفيديو الذكية؛ إذ تشير إحصاءات موثقة لصحيفة Washington Post إلى تورط ما لا يقل عن 50 ضابط شرطة في مختلف أنحاء الولايات المتحدة في استغلال كاميرات مسح لوحات السيارات، مثل نظام FLOOR ، لملاحقة النساء وتتبعهن.
احتجاجات واسعة
قد تحولت هذه الكاميرات على وجه الخصوص إلى بؤرة لاحتجاجات واسعة تعكس استياء الجمهور المتصاعد من تغول المراقبة، في الوقت الذي تبدي فيه القيادات المحلية إصراراً مثيراً للريبة على التمسك بهذه التكنولوجيا رغم الرفض الشعبي العارم.
ويختصر كوجينز هذا الشعور الخانق بالقول: «تشعر وكأن حبل الخناق يضيق تدريجياً مع كل هذه المستجدات».
ومع ذلك، يظل التحدي الأكبر والأكثر إرهاقاً للكُتاب هو الحاجة الملحة لإجراء أبحاث مضنية ومستمرة لضمان الإحاطة التامة بآليات عمل تلك المنظمة المعقدة.
وفي هذا الصدد، يخلص كاتب الجريمة تيم مالييني إلى نتيجة حاسمة قائلاً للصحيفة: «تحتاج ككاتب إلى أداء القدر الكافي من الواجب المنزلي، والتواصل المستمر مع الخبراء المختصين».