القاهرة: الأمير كمال فرج.
بينما تتسابق شركات التقنية الكبرى لتقديم خوارزميات فائقة السرعة والدقة، يختار بعض المبدعين السباحة عكس التيار عبر مشاريع ساخرة تعيد الاعتبار للعنصر البشري بكل تناقضاته وبطئه. وفي هذا السياق، يشهد المشهد التقني ظهور نوع فريد من روبوتات المحادثة الذي يختلف كلياً عما يدور في ذهنك.
ذكرت ماجي هاريسون دوبراي في تقرير نشره موقع Futurism إن " لوحة إعلانية في مدينة سان فرانسيسكو تروج لخدمة تحمل اسم ChatTJB، وتفخر الإعلانات الضخمة بأنها الواجهة الرائدة لروبوتات المحادثة المدعومة بالذكاء الاصطناعي".
إخلاء المسؤولية
غير أن إخلاء المسؤولية المدون بخط دقيق في أسفل اللوحة - والذي تحجب الشجرة جزءاً منه - يوضح مفاجأة طريفة؛ فالحرفان AI لا يعنيان هنا "الذكاء الاصطناعي" (Artificial Intelligence)، بل يرمزان إلى "الفرد العادي" (Average Individual). والواقع أنك حين تتبادل أطراف الحديث مع هذه الخدمة، فإنك تكتشف أن من يحدثك ليس سوى شاب مراهق يُدعى تاكر براينت.
يوضح براينت، وهو فنان وموظف سابق في Google ، عبر فيديو نشره على وسائل التواصل الاجتماعي: "لقد أنشأت أسوأ نموذج لغوي كبير في التاريخ، وهو على وشك إحداث ثورة شاملة". ويضيف ساخراً: "تخيل منصة ChatGPT، ولكن على الطرف الآخر أجلس أنا وحدي لتقديم نصائح سيئة وبشكل يدوي تماماً".
مشغل واحد
وتصف صفحة "من نحن" الخاصة بالمنصة - التي نقلت أخبارها لأول مرة صحيفة Gazetteer SF المحلية - الخدمة بأنها "ذكاء حرفي، صُنِع يدوياً بواسطة إنسان واحد". وتوضح الصفحة أنه بدلاً من الاعتماد على النماذج اللغوية الكبيرة (LLMs)، يمكن النظر إلى هذه التجربة المصممة خصيصاً على أنها "تجربة لغوية كبيرة لمشغل واحد"، أو ما يُعرف اختصاراً بـ (LLE).
ويتابع الموقع بيانه بالقول: "بدلاً من استخلاص النتائج عبر نماذج احتمالية، تتم معالجة كل استعلام من خلال ركيزة استدلال بيولوجية خاصة، مما يقدم إجابات قابلة للتفسير تماماً، وغير مصطنعة، وخاضعة للمساءلة المباشرة من مصدرها. وعملياً: تطرح سؤالاً، فيقرأه شخص يُدعى تاكر، ويفكر فيه، ثم يرد عليك حين يكون مستيقظاً ومستعداً لذلك".
ظاهرة الاستسلام المعرفي
أشار براينت في مقطع الفيديو إلى أن الدافع الأساسي من وراء مشروعه يعود إلى ظاهرة يُطلق عليها اسم "الاستسلام المعرفي" للذكاء الاصطناعي؛ وهو مصطلح صاغه باحثون في كلية وارتون للأعمال التابعة لجامعة بنسلفانيا، لوصف ميل مستخدمي روبوتات المحادثة إلى التخلي عن التفكير النقدي، والانجراف خلف النصائح الواثقة التي تقدمها هذه النماذج، حتى عندما تكون مغلوطة أو مضللة تماماً.
وفي هذا السياق، يقول براينت: "لقد اعتدنا إلى حد كبير على الإجابات السريعة والموثوقة وذات النبرة الذكية التي تقدمها تطبيقات الذكاء الاصطناعي، لدرجة أننا توقفنا تماماً عن التشكيك في صحتها. ولنكن واضحين، أنا لست مناهضاً للتقنية، ولكن بعضنا وصل إلى مرحلة تتلاشى فيها مهاراتنا النقدية فوراً بمجرد الدخول إلى تلك الواجهة المهدئة، ومتابعة رسوم التحميل المتحركة والنصوص وهي تُكتب حرفاً بحرف".
المقاومة والجهد
ويضيف أن منصة ChatTJB تسعى إلى إعادة عنصر "المقاومة والجهد" إلى تجربة المحادثة، لمجرد كونها سيئة إلى أقصى حد. إنها ليست دعوة لمحاربة التكنولوجيا، بل هي دعوة لإعمال الفكر البشري من جديد.
ويقول براينت موضحاً: "ستكون إجاباتي بطيئة، وربما تكون خاطئة - وإن احتملت الصحة أحياناً - غير أنها ستكون بالغة الغموض. ستخوض بلا شك تجربة سيئة للغاية مع هذه الخدمة".
وإلى جانب الردود النصية، تتولى المنصة الاستجابة لطلبات توليد الصور عبر رسومات يدوية. ويشير إخلاء المسؤولية على الموقع إلى أن الخدمة تمثل عملاً ساخراً ومشروعاً فنياً عاماً، وليست فرصة استثمارية حقيقية، مع إتاحة المجال لمن يرغب في مساعدة براينت على سداد تكاليف اللوحة الإعلانية عبر الاشتراك في النسخة الاحترافية (Pro).
ويختتم براينت بالقول: "أريدك أن تختبر شعوراً بالغ الإزعاج مع خدمة تبدو في مظهرها الخارجي وكأنها ذكاء اصطناعي، لكي تتذكر في المرة القادمة التي يمنحك فيها النموذج اللغوي إجابة منطقية، ذلك الموقف الذي رد فيه ChatTJB على سؤالك الضريبي بقصيدة هايكو عن الغربان؛ وحينها، ستكون أكثر ميلاً للتوقف برهة وتذكر أن مجرد قدرة روبوت محادثة فصيح على صياغة الإجابات بأناقة، لا يمنحك أي مبرر للتخلي عن التفكير".
ويردف قائلاً: "إن التطور القادم في مجال الذكاء الاصطناعي هو العبثية البشرية ذاتها".