القاهرة: الأمير كمال فرج.
من صمت الرفوف إلى مقاصل الفرم؛ تجارة مسعورة تستهدف الكتب الفيزيائية لتغذية خوارزميات الذكاء الاصطناعي، واستغلال لقوانين عتيقة تمنح الشرعية لعمليات "التدمير التحويلي".
ذكر فرانك لانديمور في تقرير نشره موقع Futurism إن " الكتاب المطبوع كان في وقتٍ ليس ببعيد، يُقتنى لسببين لا ثالث لهما: القراءة الواعية، أو إضفاء مسحة من العراقة والوقار على رفوف المكتبات. غير أن مختبرات الذكاء الاصطناعي أعادت تعريف الكتاب الورقي ووظيفته؛ فهو بالنسبة لمطوري النماذج اللغوية الضخمة ليس سوى "مادة خام" جافة تُفرغ من محتواها الرقمي عبر أجهزة مسح ضوئي فائقة السرعة، ثم تُلقى كعجينة ورقية لا قيمة لها".
وبينما سعت الشركات في البداية للسطو على المكتبات الرقمية والمقرصنة عبر شبكة الإنترنت—وهو ما تورطت فيه شركات كبرى مثل Meta وشركة Anthropic التي اضطرت لإنهاء نزاعها القضائي عبر تسوية ضخمة بلغت 1.5 مليار دولار للمؤلفين—اتجهت هذه الشركات مؤخرًا إلى حل استراتيجي جديد: الشراء المكثف للكتب الورقية المستعملة وإبادتها ماديًا بعد تحويلها إلى بيانات.
الهروب من الملوثات الرقمية
لم تعد المسألة تقتصر على شح البيانات، بل تعدتها إلى "تلوثها". فمع انتشار محتوى الذكاء الاصطناعي الركيك على شبكة الإنترنت وتغلغله حتى في المطبوعات الحديثة، أصبحت الخوارزميات تتدرب على مخرجاتها السابقة؛ وهي ظاهرة يحذر العلماء من أنها تؤدي إلى ما يُعرف بـ "انهيار النموذج" Model Collapse.
هنا تجلت القيمة الاستراتيجية للكتب المطبوعة قبل عام 2022. أضخم قواعد بيانات المقتنيات والمطبوعات، مثل منصة ISBNdb، بدأت تُسوق لمخزونها الضخم باعتباره "المنجم الأخير للبيانات النظيفة". وفي أحد النصوص الترويجية للمنصة الموجهة لمختبرات الذكاء الاصطناعي، وُصفت هذه المطبوعات بأنها: "أجود بيانات التدريب في العالم، محمية بنيويًا من التلوث والسموم الرقمية الحديثة؛ فهي تمثل معرفة بشرية محررة ومراجعة من قِبل الأقران، ولا يمكن لأي مسح لشبكة الإنترنت أن يضاهيها."
تحولت المنصة، التي كان هدفها الأصلي خدمة المكتبات ودور النشر، إلى وسيط يسهل لشركات الذكاء الاصطناعي الشراء بالجملة في صفقات تتراوح بين ألف إلى مليون كتاب في الطلبية الواحدة، شريطة توقيع اتفاقيات عدم إفصاح صارمة (NDA) لضمان التكتم على اسم المشتري.
كيف يُشرعن هذا الفعل قانونًا؟
تستند الشركات إلى مفهوم قانوني أمريكي قديم يُعرف بـ "عقيدة البيع الأول" First-Sale Doctrine، والذي يمنح المشتري الحق في التصرف بالمادة المشتراة أو إتلافها دون الحاجة لاستئذان صاحب حق المؤلف.
وعندما قامت شركة Anthropic باستخدام آلات قطع هيدروليكية لانتزاع كعوب الكتب وفصل صفحاتها تمهيدًا لمسحها ضوئيًا بواسطة معدات تصوير صناعية، اعتبر القضاء الأمريكي—وفقًا لقرارات قضائية صادرة عن القاضي ويليام ألسوب—أن عملية تحويل النص الورقي الأصلي إلى صيغة رقمية ثم إتلاف الأصل الورقي تندرج تحت مفهوم " الاستخدام العادل التحويلي" Transformative Fair Use؛ طالما أن النسخة الرقمية لا تُعاد طباعتها وتوزيعها كنسخ جديدة في السوق، بل تُستخدم كبيانات تدريبية.
هذا المخرج القانوني منح الشركات غطاءً كاملاً: شراء النسخة الفيزيائية، رقمنتها، ثم طحن الورق، مع اعتبار إيصال الشراء بمثابة "ترخيص رسمي".
المخاوف الثقافية: فرم المخطوطات والنسخ النادرة
إذا كانت الكتب الحديثة المطبوعة بالملايين لا تشكل أزمة عند إتلافها، فإن الخطر الحقيقي يكمن في المطبوعات النادرة والمنقطعة عن الطباعة.
سجل تجار كتب قديمة ونادرة في هولندا والولايات المتحدة تدفقًا غير مسبوق لطلبات الشراء الشاملة منذ أوائل عام 2026. وتتميز هذه الطلبات بالانتقاء العشوائي لكتب تحتوي على أرقام معيارية ISBN بلغات متعددة. ويعرب بائعون عن قلقهم البالغ؛ إذ إن الشراء المكثف قد يتسبب في محو النسخ المتبقية الأخيرة لبعض الكتب التاريخية أو الدراسات التخصصية الضيقة التي لا تملك نسخًا رقمية أخرى في العالم.
إن المأساة الفكرية لا تكمن فقط في عملية الرقمنة، بل في حصرية البيانات؛ فالشركات التي تجرف هذه الكتب وتعدم أصولها الورقية تحت مظلة اتفاقيات السرية، تصنع لنفسها احتكارًا لمادة معرفية لم تعد موجودة لدى أطراف أخرى، لا على شبكة الإنترنت ولا على الرفوف المادية.
"إبادة الكتب" في عصر الذكاء الاصطناعي
تعي الشركات تمامًا الحرج الأخلاقي والإعلامي المرتبط بهذه العمليات. تعترف منصات الوساطة بصراحة بأن صورة "شركة ذكاء اصطناعي تبيد ملايين الكتب" ليست بالعنوان الذي يجلب تعاطف الرأي العام أو يدعم صورتها المؤسسية.
ومع ذلك، تستمر العملية بعيدًا عن الأضواء. وفي مفارقة تاريخية مؤلمة، يتكرر المشهد الذي طالما ارتبط بالحروب والغزوات التاريخية—وهو إحراق المكتبات وإتلاف الكتب—ولكن هذه المرة ليس بهدف طمس المعرفة، بل بهدف التهامها واحتكارها داخل خوارزميات مغلقة، ليبقى السؤال مطروحًا: هل تُبنى التكنولوجيا الحديثة على أنقاض ذاكرة الورق؟