القاهرة: الأمير كمال فرج.
لم يعد التسلل إلى مساحات الشخصية والمهنية مجرد احتمال بعيد، بل تحول إلى واقع يومي يفرضه الانتشار الحمائي لأدوات الذكاء الاصطناعي؛ إذ بات من الصعب خوض اجتماع عمل دون أن تتولى تلك التطبيقات تدوين كل كلمة يتفوه بها المشاركون بدقة متناهية.
ولم يقف الأمر عند حدود المكاتب، بل اندفع بعض العاملين في القطاع التقني إلى مستويات غير مسبوقة، عبر تعقب وتسجيل تفاصيل حياتهم الخاصة كاملة؛ استجابة لنزعة جامحة لتوثيق كل تفاعل إنساني، وفقًا لما كشفته صحيفة Wall Street Journal.
انتهاك بلا استئذان.. وتحت طائلة القانون
تكمن الخطورة البالغة في إقدام الكثيرين على التسجيل دون استئذان الطرف الآخر، ما يضعهم في مواجهة صريحة مع التشريعات والقوانين الشديدة الصارمة بشأن حماية الخصوصية.
ويشكل هذا السلوك امتدادًا مقلقًا لهوس الرقابة التلقائية، وهو ما ينطوي على تداعيات أخلاقية ونفسية عميقة؛ بدءًا من الموقف الصادم للمرضى حين يكتشفون تسجيل جلساتهم العلاجية، وصولًا إلى الممارسات المزعجة التي يرتكبها مستخدمو نظارات Meta الذكية بحق الغرباء في الأماكن العامة.
هوس الرقابة.. والتضحية بالعفوية
شهدت تطبيقات التفريغ الصوتي والتملية، مثل جرانولا Granola، إقبالًا قياسيًا؛ إذ أصبحت ملاذًا رئيسيًا للتنفيذيين في شركات الذكاء الاصطناعي الذين يرتكزون عليها بشغف لا يخلو من المبالغة.
وفي هذا السياق، نقلت Wall Street Journal عن ميشيل ليم، الرئيس التنفيذي والمؤسس المشارك لمنصة التسويق الذكي فلينت، قولها: "نشعر بإحباط شديد في الشركة عندما نكتشف أننا خضنا نقاشًا دون تشغيل تطبيق جرانولا.. أتمنى لو كان متواجدًا في كل غرفة!"
وتقر "ليم" بأنها تفترض مسبقًا أنها قيد التسجيل دائمًا، معتبرة أن طلب إذن التسجيل مسبقًا "يقتل عفوية الحديث والجو العام".
الاستعانة بالذكاء الاصطناعي في العلاقات الإنسانية
تجاوزت هذه الظاهرة حدود بيئة العمل لتصل إلى العلاقات الشخصية الأكثر دقة؛ حيث اعترفت إيمي تشانغ، مؤسسة شركة يوزو لابس، بأنها تسجل معظم لقاءاتها العاطفية الأولى بوضع الهاتف على الطاولة أو الكرسي، لتلجأ بعد ذلك إلى نموذج الذكاء الاصطناعي كلاود Claude المطور من شركة Anthropic لتحليل الحوار، والتأكد مما إذا كان بإمكانها أن تكون "أكثر تعاطفًا وجاذبية".
مخاطر الخصوصية وتراجع القدرات الذهنية
يحذر الباحثون والخبراء من الأبعاد النفسية والمهنية لهذه الظاهرة، مشيرين إلى المخاطر الناجمة عن "التفويض المعرفي" Cognitive Offloading، وهو الاتكال المفرط على البرمجيات الذكية في معالجة وتذكر التفاصيل، مما يؤدي إلى تراجع القدرات الذهنية والتحليلية لدى الإنسان.
على صعيد الخصوصية، تكمن المشكلة في أن تطبيق جرانولا لا يقدم أي إشعار أو تنبيه صوتي يفيد ببدء التسجيل، بخلاف المنصات التقليدية مثل زوم التي تنبه الحاضرين آليًا.
الخيارات الضيقة وبيئة العمل
أوضح أليكس ألبين، الخبير في قوانين الخصوصية، لصحيفة Wall Street Journal، أن الموظفين في الشركات يجدون أنفسهم أمام خيارات ضيقة ويضطرون للاستسلام لواقع التسجيل المستمر، مشددًا على أن: "على الشركات توخي الحذر الشديد تجاه التقنيات التي تسجل المحادثات تلقائيًا، لا سيما عندما يتعلق الأمر بأطراف خارجية."
من جانبهم، يرى خبراء الموارد البشرية أن هذه الأدوات تشكل تهديدًا مباشرًا للبيانات الحساسة؛ حيث حذرت إيمي دوفرين، المسؤولة في مؤسسة معايير الموارد البشرية HRCI، في تصريح لوكالة أسوشيتد برس، من خطورة تسريب أسرار العمل والملاحظات الشخصية، قائلة: "تنطوي أدوات تدوين الملاحظات بالذكاء الاصطناعي على مخاطر جسيمة للمؤسسات، ولا أعتقد أنه ينبغي للشركات استخدامها على الإطلاق."