القاهرة: الأمير كمال فرج.
في العصور الرومانية القديمة، يُعتقد أن القادة العسكريين كانوا يلجأون إلى تكتيك يُعرف باسم العشير أو الإعدام العشري لمعاقبة مجموعات المرتزقة المتمردة؛ إذ كانوا يقتلون جنديًا واحدًا من بين كل عشرة جنود عصاة، ليوجهوا بذلك رسالة رعب تضمن انضباط الباقين. واليوم، يبدو أن التكتيك نفسه يطل برأسه من جديد، ولكن ليس على أيدي جنرالات متعطشين للدماء، بل برعاية مليارديرات قطاع التكنولوجيا الذين يعملون على تقليص صفوف عمالتهم لتوفير السيولة اللازمة لتمويل مشاريع الذكاء الاصطناعي.
ذكر جو ويلكينز في تقرير نشرته مجلة Futurism إن "شركة Meta قد أعلنت في أبريل الماضي عن نيتها تسريح 10% من قواها العاملة، وهو ما يعادل نحو 7800 موظف. وبخلاف عمليات التسريح التقليدية التي تُنفذ بسرعة نسبيًا، منحت Meta موظفيها مهلة تحذيرية ناهزت الشهر، دون أن تحدد بدقة من هم العمال الذين سيجدون أنفسهم في طابور البطالة".
ودخلت قرارات التسريح هذه حيز التنفيذ، وجاءت مشهدية الواقع قاسية وموجعة تمامًا كما توقعها الجميع. غير أن مارك زوكربيرغ رأى على ما يبدو أن المزيج المعتاد من القسوة والقلق المصاحب لعمليات التسريح الجماعي ليس كافيًا.
🎙️الموظف الذكي وقود للآلة
ففي تسجيل صوتي سُرب حديثًا من اجتماع عام للموظفين في Meta ونشرته منصة MorePerfect Union، ظهر الرئيس التنفيذي للشركة وكأنه يسخر علنًا من آلاف الموظفين الذين يوشكون على مغادرة مناصبهم، مشيرًا إلى أن الشركة استغلت بياناتهم لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي الخاصة بها قبيل الإطاحة بهم.
وقال زوكربيرغ في التسجيل المسرّب: "إننا نمر الآن بمرحلة تتعلم فيها نماذج الذكاء الاصطناعي من خلال مراقبة أشخاص أذكياء حقًا وهم يؤدون مهامهم. وإذا كنت تسعى لتمكين الذكاء الاصطناعي من اكتساب قدرات معينة، فإن إتاحة الفرصة له لمراقبة أذكياء ينجزون تلك الأعمال يعد أمرًا بالغ الأهمية".
🧠 استغلال النخبة
ومضى زوكربيرغ يشرح أفضليّة تدريب الذكاء الاصطناعي على أيدي موظفي Meta الذين سينضمون قريبًا إلى قوائم التسريح، بدلًا من الاعتماد على شركات التعهيد والمقاولين المستقلين، وهي ممارسة قاسية أخرى تعتمدها غيلان التكنولوجيا لخفض التكاليف المرتبطة بتطوير الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك ميتا نفسها.
وتابع زوكربيرغ متلعثمًا: "بوجه عام، إن متوسط ذكاء الأشخاص في هذه الشركة أعلى بكثير من متوسط ذكاء عامة الناس الذين يمكنك الاستعانة بهم لإنجاز المهام عبر المقاولين الخارجيين. لذلك، إذا كنا نحاول تعليم النماذج البرمجة على سبيل المثال، فإن وجود موظفين داخليين يبنون الأدوات أو يحلون المهام التي تساعد في تعليم النموذج كيفية البرمجة، سيؤدي في تقديرنا إلى قفزة نوعية في قدرات نماذجنا البرمجية وبسرعة تفوق ما تمتلكه أي جهة أخرى في هذا القطاع".
⚖️ عباقرة فائضون عن الحاجة
ونزل حديث الرئيس التنفيذي كالصاعقة على الموظفين الذين يعيشون حيرة قاتلة بين البحث عن وظائف جديدة ونفض الغبار عن سيرهم الذاتية في ظل سوق عمل بائس يعاني منه قطاع التكنولوجيا، وبين استيعاب هذا التناقض الصارخ؛ فإذا كانوا هم النخبة وخيرة الكفاءات، وإذا كان جهدهم وعملهم يمثل حجر الزاوية لتدريب ذكاء الشركة الاصطناعي، فما الذي يدفع زوكربيرغ أصلًا إلى التخلص منهم بهذه الطريقة الفظة؟.