القاهرة : الأمير كمال فرج
في كتابه الرائد "الصوفيون" (1964)، أشار الباحث إدريس شاه إلى ظواهر ثقافية غربية عديدة استلهمت روحها من التيار الصوفي في الإسلام؛ شملت حركة "التروبادور"، وشخصية "المهرج"، وحتى كتابات "سيرفانتس" و"غوتيه". لكن شاه يذهب إلى أبعد من ذلك، مؤكداً وجود علاقة صريحة وجوهرية بين الصوفية وفن "الفلامنكو".
ذكر جيسون ويبستر في تقريبر نشره موقع Classical Guitar "قد يبدو تأثر موسيقى شعبية في جنوب إسبانيا بتقاليد صوفية شرقية أمراً غريباً، لولا حقيقة أن شبه الجزيرة الأيبيرية ظلت لثمانية قرون أقصى ثغور الإمبراطورية الإسلامية غرباً. ولا تظهر هذه البصمة بوضوح في أي مكان كما تظهر في "الأندلس"؛ الإقليم الذي اشتق اسمه من "الأندلس" العربية".
لغة واحدة وإيقاع مشترك
التأثير الإسلامي على الموسيقى الشعبية الإسبانية ككل هائل؛ فبمجرد الاستماع إلى أغاني "الجوتا" الأراغونية أو "الألبا" في فالنسيا، ستدرك فوراً التشابه القوي مع نداءات المؤذنين. والفلامنكو ليس استثناءً؛ فالكلمات التي يظن البعض أنها "بلا معنى" في غناء الفلامنكو، مثل "Lelelelele" أو "Lailo lailo"، ليست في الحقيقة سوى تحريف لشهادة التوحيد الإسلامية: "لا إله إلا الله".
حتى الفنان الكبير "إل ليبريخانو" كان يصر دائماً عند أدائه مع موسيقيين مغاربة على أن الفلامنكو وموسيقى شمال أفريقيا هما في الأساس "جوهر واحد".
قصة "مارشينيتا".. من السند إلى الأندلس
لم يكن إدريس شاه الوحيد الذي رصد هذا الرابط؛ ففي ثلاثينيات القرن الماضي، سافر طالب باكستاني يدعى "عزيز بلوش" إلى إسبانيا، وبمجرد سماعه للفلامنكو، تعرف عليه فوراً؛ لقد كان مطابقاً تقريباً للموسيقى الصوفية التي كان يغنيها في وطنه.
في الليلة التالية، غنى بلوش نفس الأغاني التي سمعها من الفنان الإسباني الكبير "بيبي مارشينا"، ولكن بلغة "الأوردو". ذُهل مارشينا وعازف الجيتار رامون مونتويا من هذا الغريب الذي وصل لتوّه إلى الأندلس، ومع ذلك يغني "الكانتي خوندو" (الغناء العميق) بإتقان مذهل وكأنه وُلد في قرية إسبانية. منحه مارشينا لقب "مارشينيتا" (مارشينا الصغير)، وأصبحا شريكين في العروض الفنية.
في عام 1955، أصدر بلوش كتابه "أصل وتطور الغناء العميق" في مدريد، واضعاً شجرة عائلة تثبت الرابط بين الموسيقى الصوفية والفلامنكو، واصفاً تمارين صوتية ونمط حياة يراهما مثاليين لإنتاج "الغناء العميق".
"الدويندي" والحال الصوفي
هناك أسباب وجيهة تجعلنا نصدق هذا الرابط الصوفي؛ فالكثير من المستمعين للفلامنكو يشعرون بحالة تشبه تماماً ما يُعرف في التصوف الإسلامي بـ "الحال" (Hal)، وهي حالة من الوجد أو الغياب عن العالم المادي.
حتى كلمة "دويندي" (Duende) الشهيرة، التي يصف بها الإسبان تلك "الروح الخفية" التي تتملك الفنان وتمنحه الإلهام، يرجح الكثير من المفكرين أن أصلها ليس لاتينياً بل عربياً، مشتقاً من كلمة "جن" (Jinn). فوفقاً للموروث الشرقي، هذه الكائنات المخلوقة من "نار" تملك تأثيراً قوياً ومفاجئاً على حياة البشر ومصائرهم، تماماً كما تفعل روح "الدويندي" بعازف الجيتار أو راقص الفلامنكو عندما تشتعل لحظة الإبداع.