القاهرة: الأمير كمال فرج.
لطالما سكنت قصص المنازل المسكونة والأشباح الخفية الذاكرة الجمعية للبشر، محاطة بهالة من الغموض والرعب الذي يعجز المنطق عن تفسيره. ومع ذلك، يبدو أن العلم الحديث قرر اقتحام هذا العالم الغيبي بسلاح الفيزياء وعلم النفس، ليعيد قراءة الظواهر الخارقة من منظور مخبري بحت.
ذكر فرانك لانديمور في تقرير نشرته مجلة Futurism إن "الباحثون في دراسة علمية حديثة، وضعوا أيديهم على ما قد يكون المسبب الفعلي لتلك القشعريرة التي تسري في الأبدان داخل المباني القديمة، كاشفين عن قوى خفية لا تعود لأرواح الموتى، بل لفيزياء المكان نفسه".
المحرك الخفي للذعر
كشفت الدراسة المنشورة في دورية Frontiers in Behavioral Neuroscience أن السر وراء الشعور بوجود كائنات غير مرئية قد يكمن في ما يعرف بالموجات تحت الصوتية. وهي موجات صوتية ذات ترددات منخفضة للغاية، تقل عن 20 هيرتز، مما يجعلها خارج نطاق السمع البشري الطبيعي، لكنها تقع تماما ضمن نطاق الإدراك الحسي للجسم.
وتنبعث هذه الترددات عادة من مصادر ميكانيكية تقليدية في المباني المتداعية، مثل الغلايات القديمة، الأنابيب المتهالكة، واهتزازات نظم السباكة. ورغم أننا لا نسمعها، إلا أن أجسامنا تتعامل معها كاهتزازات غير مريحة تثير استجابات بيولوجية معقدة.
فخ التفسير النفسي
وفي تحليل لهذه الظاهرة، صرح رودني شملتز، عالم النفس في جامعة ماك إيوان بكندا وأحد المشاركين في الدراسة، لصحيفة The Guardian، بأن هذه الموجات تخلق حالة من الضيق الجسدي الذي يبحث العقل عن تفسير له.
يقول شملتز: إن ما تفعله الموجات تحت الصوتية هو تزويد الإنسان بقدر من عدم الارتياح الجسدي، وهو ما يمثل بيئة خصبة لتعليق تفسيرات الأشباح عليها. فبالنسبة لشخص لديه استعداد مسبق لتصديق الخوارق، فإن هذا الضيق سيعد دليلا على وجود روح أو كيان خفي، بينما سيعتبره الشخص العقلاني مجرد شعور بالانزعاج ناتج عن ضيق المكان أو قدم المبنى.
الكورتيزول لا يكذب
للتثبت من هذه الفرضية، صمم الباحثون تجربة دقيقة شملت 36 متطوعا، طُلب منهم الاستماع إلى مقاطع موسيقية تتراوح بين الهدوء والتوتر. وخلال نصف مدة التجربة، قام العلماء ببث موجات تحت صوتية في الغرفة دون إبلاغ المشاركين.
وجاءت النتائج لتعزز الفرضية العلمية بشكل مذهل؛ إذ لم يكتفِ المشاركون بإظهار علامات الانزعاج والتهيج المزاجي عند بث تلك الترددات، بل أظهرت عينات اللعاب التي جُمعت منهم ارتفاعا كبيرا في مستويات هرمون الكورتيزول، وهو الهرمون المسؤول عن استجابة الجسم للإجهاد والتوتر.
وأكد شملتز أن المشاركين وصفوا الموسيقى بأنها كانت أكثر حزنا وكآبة في ظل وجود الموجات تحت الصوتية، مما يعني أن الجسم كان يعيش حالة طوارئ صامتة دون أن يدرك المصدر.
حدود الكشف العلمي
وعلى الرغم من أن هذه الدراسة تقدم تفسيرا فيزيائيا مقنعا للشعور بالثقل في الهواء أو القشعريرة المفاجئة، إلا أن العلماء يظلون متحفظين بشأن تعميم النتائج. فهم يقرون بأن هذا الكشف لا يفسر حتى الآن المشاهدات البصرية للأطياف أو الظواهر البصرية المعقدة التي يرويها البعض.
ومع ذلك، فإن الخطوة القادمة للعلماء تتمثل في قياس مستويات هذه الموجات في أشهر المواقع العالمية المعروفة بأنها مسكونة، للتأكد مما إذا كانت تلك الأساطير مجرد صدى لضجيج الأنابيب القديمة تحت الأرض.