القاهرة: الأمير كمال فرج.
"لماذا لا أستطيع التوقف عن تناول الطعام؟".. سؤال يتردد بمرارة في أذهان الكثيرين، ويشكل محوراً أساسياً لمعاناة عدد كبير من المراجعين في مراكز العلاج النفسي. إنه ذلك الشعور المزعج بالانحباس في دورة مفرغة من الأكل، حيث يستمر المرء في التهام الطعام حتى بعد بلوغ مرحلة الشبع التام، ويجد صعوبة بالغة في وضع حد لهذه الرغبة.
ذكر فينسنت فيتش في تقرير نشرته مجلة Best Within You إن "الأفراد غالبا ما يلقون باللوم على "ضعف الإرادة في عدم التوقف عن الطعام"، لكن الحقائق العلمية تؤكد أن الجذور تمتد إلى ما هو أعمق من ذلك بكثير. فما الذي يجعل التوقف عن الأكل معركة خاسرة للبعض؟
ما هو الأكل القهري؟
الأكل القهري ليس مجرد شهية مفتوحة، بل هو إلحاح داخلي جارف يدفع الشخص لتناول المزيد من الطعام، وهو دافع يصعب مقاومته. وبينما قد يختلط الأمر على البعض، يختلف الأكل القهري عن "اضطراب نهم الطعام" في كونه قد يظهر كاستجابة لفترات التوتر الحاد ثم يتلاشى، لكنه يحمل خطر التحول إلى اضطراب مزمن إذا ما تكرر بشكل نمطي.
البيولوجيا العصبية: عندما يتحدث الدماغ
لا توجد إجابة بسيطة لهذا السؤال، إذ تؤكد الدراسات أن الأكل القهري متجذر في دوائر الدماغ المرتبطة بالتحكم في النبضات، ونظام المكافأة، والتنظيم العاطفي.
هرمون الدوبامين: يعمل هذا الناقل العصبي كرسول للمكافأة والمتعة. ينشط الأكل القهري مسارات الدوبامين بطريقة تشبه إلى حد بعيد تأثير الإدمان على المواد المخدرة. ومع مرور الوقت، تقل حساسية الدماغ تجاه هذه المكافآت، مما يضطر الشخص لتناول كميات أكبر لتحقيق نفس الشعور بالرضا.
قشرة فص الجبهة: هذا الجزء المسؤول عن اتخاذ القرار وضبط النفس يظهر نشاطاً منخفضاً لدى من يعانون من الشراهة، مما يضعف قدرتهم على مقاومة "ضجيج الطعام" أو التحكم في الاندفاعات السلوكية.
البُعد النفسي والعاطفي: الطعام كدرع واقٍ
الأكل القهري ليس نقصاً في العزيمة، بل هو "آلية تكيف" يلجأ إليها الكثيرون. ففي أوقات التوتر العالي أو التحولات الحياتية الكبرى، يصبح الطعام وسيلة للهروب أو تحسين المزاج.
تبدأ الدورة بشعور عاطفي حاد (مثل الغضب)، يتبعه لجوء فوري للطعام طلباً للراحة، وبمجرد انتهاء "النشوة المؤقتة"، يغرق الشخص في مشاعر الخزي والذنب، وهو ما يعيد الدورة المفرغة إلى نقطة الصفر. بالنسبة للبعض، يمثل هذا السلوك لحظة تحرر من القيود والقواعد الصارمة التي يفرضونها على أنفسهم طوال اليوم.
المنظور السلوكي: لماذا نكرر الخطأ؟
يرى العلماء أن السلوك القهري يعود لأربعة أسباب رئيسية تتعلق بكيفية عمل العقل:
المرونة المعرفية: صعوبة التكيف مع التغيير تجعل من الصعب تبديل العادات الغذائية الراسخة.
تحويل التركيز (Set-shifting): بقاء العقل محاصراً في دوامة التفكير في الطعام والمذاق دون القدرة على الالتفات لمهام أخرى.
الانحياز الانتباهي: الميل للتركيز المفرط على الطعام بمجرد تواجده، مما يجعل تجاهله مستحيلاً.
التعلم بالعادة: تحول السلوك إلى فعل أوتوماتيكي يتكرر تلقائياً عند التعرض لمحفزات معينة مثل ضغوط العمل.
العلاج: سلاح الإرادة
إذا كنت تسأل نفسك "لماذا لا أستطيع التوقف؟"، فاعلم أنك قد جربت بالفعل سلاح "الإرادة" والقواعد الصارمة ولم تنجح، وهذا ليس فشلاً شخصياً. الأكل القهري نادراً ما يتعلق بالطعام وحده.
يساعد العلاج النفسي المتخصص في فهم الغرض الكامن وراء هذا السلوك، وكيفية مقاطعة هذه الدورة دون اللجوء إلى الحرمان الذي يولد الانفجار. الهدف هو تحديد المحفزات العاطفية، وتقليل ضجيج الأفكار المتعلقة بالطعام، وبناء أدوات تعامل صحية تمنحك السيطرة على حياتك من جديد بمرونة ورأفة بذاتك.