القاهرة: الأمير كمال فرج.
بينما تتباهى الشركات بتبني الذكاء الاصطناعي لتوليد أطنان من الأكواد البرمجية تحت شعار "ثورة الإنتاجية"، يكشف الواقع خلف الكواليس عن مشهد يمزج بين الكوميديا السوداء والارتباك التقني؛ حيث يجد المبرمجون أنفسهم غارقين في جبال من الشيفرات التي لا يعرفون كيف يتعاملون معها، بينما تخوض الإدارات صراعاً مريراً لإيجاد وسيلة لمراجعة ما كتبته الآلة على عجالة.
ذكر فرانك لانديمور في تقرير نشره مجلة Futurism إن "إحدى شركات الخدمات المالية شهدت تضاعف إنتاجها البرمجي عشر مرات بعد اعتماد أداة الذكاء الاصطناعي الشهيرة Cursor، مما خلق تكدساً "ملحمياً" لمليون سطر من الكود تحتاج إلى مراجعة بشرية عاجلة".
هذا الفائض البرمجي ليس مجرد رقم، بل هو قنبلة موقوتة؛ فالكود السيئ -سواء كان من صنع البشر أو الآلة- قد يعطل البرمجيات ويخلق ثغرات أمنية كارثية. وقد شهدت "أمازون" و"ميتا" بالفعل اضطرابات مؤخراً بعد قيام أدوات الذكاء الاصطناعي باتخاذ إجراءات غير مصرح بها.
مفارقة التوظيف: تسريح البشر وخلق "أعمال شاقة"
نحن الآن أمام مفارقة عجيبة في سوق العمل؛ ففي حين يُستخدم الذكاء الاصطناعي كمبرر لتقليص الوظائف (أكثر من 54 ألف حالة تسريح العام الماضي)، فإنه يخلق في الوقت ذاته أعباءً إضافية لا يمكن لغير البشر إنجازها. فمن سيختبر "طبخات" الذكاء الاصطناعي؟ المبرمجون الحاليون أصبحوا "أسرى" لكتابة الأوامر (Prompts)، ولم يعد لديهم وقت لمراجعة النتائج.
يقول جو سوليفان، المستشار التقني لـ "نيويورك تايمز": "لا يوجد عدد كافٍ من مهندسي أمن البرمجيات على كوكب الأرض لتلبية احتياجات الشركات الأمريكية وحدها في ظل هذا الطوفان".
"احتراق الأدمغة" بالذكاء الاصطناعي
بعيداً عن الأرقام، بدأت التقنية تلتهم الصحة العقلية للمبرمجين؛ حيث يعترف مهندسو البرمجيات بأن توقعات الإنتاجية المرتفعة مع ضرورة المراقبة المستمرة للآلة سرّعت من وتيرة "الاحتراق النفسي". وقد أطلقت دراسة حديثة على هذا الضرر النفسي مصطلحاً جديداً وهو: "تلف الدماغ بالذكاء الاصطناعي" (AI brain fry).
الهروب إلى الأمام
في محاولة يائسة للسيطرة على الأزمة، لجأت بعض الشركات لقرار حازم: "لا كود يمر دون مراجعة بشرية"، لأن إصلاح خطأ لا يفهمه أحد لاحقاً سيكون مستحيلاً. بينما اختارت شركات أخرى حل "النار بالنار"، عبر استخدام أدوات ذكاء اصطناعي جديدة وظيفتها فقط مراجعة ما كتبه الذكاء الاصطناعي الأول!
الخلاصة: أصبحت البرمجة الآن متاحة للجميع داخل الشركات، لكن هذه "النعمة" تحولت إلى "لعنة" تهدد بانهيار الأنظمة التي تُبنى بسرعة البرق دون أن يدرك أحد كيف تعمل فعلياً.