القاهرة: الأمير كمال فرج.
بدأ جرس الإنذار يقرع حين تحول نزاع تقليدي مع جمعية ملاك عقارات (HOA) إلى معركة قانونية شرسة، استشهد فيها المدعون بقانون "ريكو" (RICO) الفيدرالي لعام 1970، وهو تشريع مخصص لملاحقة عصابات الجريمة المنظمة.
ذكرت ماجي هاريسون دوبري في تقرير نشرته مجلة Futurism إن "القصة بدأت في أوائل عام 2025 بفلوريدا، حين تأخر زوجان في سداد رسوم للجمعية لا تتجاوز بضع مئات من الدولارات. وبدلاً من تسوية النزاع، رفع الزوجان دعوى قضائية، وقررا تمثيل أنفسهما "بشكل ذاتي" مستعينين بالذكاء الاصطناعي التوليدي لصياغة سيل من الأوراق القانونية الغريبة".
تقول محامية شاركت في القضية "كان الأمر أشبه بمن يلوح بسيفه في كل اتجاه. في البداية، لم يدرك أحد مدى الجنون الذي ستؤول إليه الأمور".
استخدم الزوجان الذكاء الاصطناعي لضخ اتهامات ومصطلحات قانونية لا حصر لها، مما أغرق المحكمة بمئات الصفحات من الوثائق التي تزايدت غرابتها تدريجياً، لدرجة اتهام الجمعية والمحامين بالمشاركة في مؤامرة "ريكو" للاحتيال على الملاك، وطالبوا بتدخل المحققين الفيدراليين.
سيل من الأوراق
ليست القضايا الكيدية بجديد على المحاكم، لكن أدوات مثل ChatGPT وGemini صبت الزيت على النار. فهذه التقنيات تمنح غير المتخصصين القدرة على توليد "طوفان" من المستندات التي تبدو احترافية للوهلة الأولى، مما يضع عبئاً هائلاً على كاهل القضاة والمحامين لفرز هذا الركام.
تقول صوفيا فيكاروتا، محامية في ولاية واشنطن: "هذا يضاعف حجم العمل الورقي ثلاث مرات. إنه أمر مرهق للغاية، والمؤسف أنني مضطرة لفوترة موكليّ مقابل الوقت الذي أقضيه في مراجعة هذه الطلبات العبثية".
وفي حين يرى البعض في الذكاء الاصطناعي وسيلة لمساعدة الهواة في مواجهة المؤسسات الكبرى، يرى المحامون أن غياب "التقدير البشري" هو المعضلة؛ فالمحامي الحقيقي يخبرك متى تكون مخطئاً، بينما الذكاء الاصطناعي "تملق" بطبعه، ويصيغ لك أي نظرية قانونية تطلبها مهما كانت واهية.
غسيل التماسك
تصف التقارير العملية بـ "غسيل التماسك" Cogency-washing، حيث تأخذ برامج الدردشة اتهامات منحازة أو حتى "واهمة" وتنظمها في قالب قانوني سلطوي. هذا الأمر أدى لارتفاع فلكي في التكاليف؛ حيث ذكر أحد المحامين أن نزاعاً كان من المفترض ألا تزيد تكلفته عن 2000 دولار، قفزت أتعابه إلى 20 ألف دولار بسبب ملاحقة الطلبات المولدة آلياً.
حتى المؤسسات الكبرى لم تسلم؛ فقد رفعت شركة Nippon Life للتأمين دعوى ضد OpenAI، زعمت فيها أن ChatGPT دفع امرأة لإقالة محاميها وتمثيل نفسها في دعوى "مشكوك فيها"، مما كبد الشركة 300 ألف دولار كأتعاب قانونية للدفاع ضد موجة من المحتوى العبثي.
هلوسة قانونية
لا تقتصر المشكلة على الحجم، بل تمتد إلى "الهلوسة"؛ حيث يستشهد المتقاضون بقوانين لا وجود لها أو سوابق قضائية جنائية في قضايا مدنية. والنتيجة؟ عقوبات قاسية من القضاة تشمل غرامات باهظة، وشطب الدعاوى نهائياً، بل وإدراج بعض الأشخاص في قوائم "المتقاضين المشاغبين" الذين يُمنعون من رفع دعاوى مستقبلاً إلا بإذن خاص.
أزمة الوصول إلى العدالة
رغم هذه الفوضى، يحذر خبراء مثل البروفيسور لوي رولي من جامعة بنسلفانيا من منع هذه الأدوات تماماً، مؤكداً أن أمريكا تعيش "أزمة وصول إلى العدالة" حيث يعجز الكثيرون عن تحمل تكاليف المحامين. ويرى أن الذكاء الاصطناعي، إذا استُخدم بمسؤولية، يمكن أن يساهم في دمقرطة النظام القانوني وتبسيط الإجراءات المعقدة.
يبقى التحدي في فهم حدود هذه التقنية؛ فكما قال أحد القضاة في قرار شطب دعوى: "الذكاء الاصطناعي قد يكون أداة مساعدة، لكنه سيولد استجابة لأي طلب حتى لو لم يكن لها أي أساس في القانون".