القاهرة: الأمير كمال فرج.
لم يعد الأمر مجرد منافسة تقنية بين محرك بحث ومواقع إخبارية، بل تحول إلى ما يشبه "عملية إبادة رقمية" لمنظومة الإعلام؛ حيث يواجه الصحفيون والعاملون في القطاع الرقمي واقعاً مريراً، إذ لا يتم استبدالهم بالذكاء الاصطناعي فحسب، بل يتم تقديم نتاجهم الفكري وجهدهم الميداني كـ "وقود" لمحرك Google الشره.
ذكر جو ويلكنز في تقرير نشرته مجلة Futurism إن "ميزة ملخصات Google المعتمدة على الذكاء الاصطناعي AI Overviews باتت تلتهم المقالات المعمقة والتحقيقات الحصرية، لتقدمها للمستخدم في كبسولة معلوماتية سهلة القراءة، مغنية إياه عن عناء النقر على رابط المصدر الأصلي". 📉
وبينما قد يبدو توفير ثوانٍ قليلة من وقت البحث انتصاراً للمستخدم، فإن الثمن تدفعه المؤسسات الإعلامية من شريان حياتها: "الزيارات". فوفقاً لبيانات صادمة من شركة Growtika المتخصصة في تحليل استراتيجيات البحث، فإن الانهيار في عدد النقرات لم يعد مجرد توقعات، بل أصبح واقعاً موثقاً بالأرقام يعصف بالمنصات الرقمية منذ ظهور هذه الميزة.
السقوط الحر
عند النظر في البيانات التي تتبعتها منصة "Ahrefs" لـ 10 من أكبر المؤسسات الإعلامية المتخصصة في التكنولوجيا بين مطلع عام 2024 وبداية 2026، تظهر الفجوة المرعبة. ففي ذروتها، كانت هذه المنصات تجذب نحو 112 مليون زيارة شهرياً من مستخدمي Google في الولايات المتحدة وحدها. وبحلول يناير من العام الحالي، هوى هذا الرقم ليقترب من عتبة الـ 50 مليوناً، ما يعني خسارة أكثر من نصف الجمهور في وقت قياسي.
المأساة لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن بعض المنافذ الإعلامية شهدت تبخراً كاملاً لجمهورها، بنسب تراجع تجاوزت 90% منذ إطلاق الميزة الجديدة. ⚠️
قائمة الضحايا
تفاوتت قسوة الضربة بين المؤسسات، لكن أحداً لم يخرج معافى من هذه المعركة غير المتكافئة:
Mashable: اعتبر الناجي النسبي في هذه المعركة، رغم خسارته القاسية لـ 30% من حركة مروره.
Wired: المؤسسة العريقة التي طالما كانت بوصلة التكنولوجيا، فقدت 62% من جمهورها القادم من محركات البحث.
The Verge وZDNet وHowToGeek: هذه القلاع المعلوماتية لم تصمد طويلاً، حيث فقدت كل منها أكثر من 85% من زياراتها خلال عامين، في تحول دراماتيكي لم يشهده قطاع الإعلام من قبل.
أما القصة الأكثر مأساوية، فكانت من نصيب موقع "Digital Trends"؛ فبعد أن كان يتباهى بجذب 8.5 مليون نقرة شهرياً في مارس 2024، انهار الرقم ليصل إلى 264,861 نقرة فقط في يناير 2026. نحن نتحدث عن سقوط مدوٍ بنسبة 97%، وهو ما يعني عملياً قطع الأكسجين عن المؤسسة. والأدهى من ذلك، أن المواقع الأربعة الأكثر تضرراً باتت تجذب مجتمعةً زواراً أقل مما يحققه منتدى "r/ChatGPT" على منصة Reddit بمفرده. 🤯
أضلاع المثلث القاتل
تُرجع التحليلات هذا الانهيار إلى ثلاثة عوامل تظافرت لتشكل "عاصفة كاملة":
توسع AI Overviews: التي وصلت ذروة انتشارها في منتصف 2025 لتغطي 25% من إجمالي عمليات البحث، محولة Google من "دليل" للمواقع إلى "وجهة نهائية" للمعلومة.
خوارزمية Reddit : التحديثات الأخيرة التي دفعت بالمنتديات إلى صدارة النتائج على حساب المقالات الصحفية المتخصصة.
هجرة الولاء: التوجه المتزايد للمستخدمين نحو روبوتات الدردشة المباشرة التي تمنح إجابات فورية دون الحاجة لتصفح المواقع.
Google تدافع.. هل هو رد منطقي؟
من جهتها، لم تقف Google مكتوفة الأيدي أمام هذه الاتهامات، إذ وصف متحدث باسمها تحليل "Growtika" بأنه "معيب جوهرياً". وادعت الشركة أن الدراسة ركزت على عينة صغيرة ولم تأخذ بالاعتبار التغيرات الموسمية، أو تحول ذوق الجمهور نحو "البودكاست" والمنتديات. وقالت الشركة إنها تصمم منتجاتها لمساعدة الناس على التواصل مع المحتوى الذي يقدرونه، لكن الواقع الرقمي يقول عكس ذلك تماماً.
في نهاية المطاف، ما نشهده اليوم ليس مجرد تعديل تقني في خوارزميات البحث المتقلبة، بل هو إعادة صياغة كاملة لمستقبل المعرفة. فإذا استمر هذا النزيف، قد نجد أنفسنا في عالم حيث "تُلخص" فيه الحقيقة بواسطة الآلات، بينما تموت المصادر التي صنعت تلك الحقيقة خنقاً بسبب نقص الدعم المادي والجمهوري. 🛡️