القاهرة: الأمير كمال فرج.
في مواجهة التهديدات القادمة من أعماق الفضاء، لم يعد سيناريو أفلام الخيال العلمي مجرد ضرب من الوهم؛ فبينما كانت المخاوف من تفتت الكويكبات وتحولها إلى شظايا قاتلة تشلّ حركة العلماء، جاءت أحدث الدراسات المختبرية لتقلب الطاولة. من قلب مختبرات CERN العالمية، كشف الباحثون عن نتائج مذهلة تؤكد أن استخدام السلاح النووي قد لا يكون الخيار الأخير فحسب، بل الخيار الأكثر ذكاءً وقوة لحماية كوكبنا، بفضل خصائص ميكانيكية خفية تجعل من هذه الصخور الفضائية أكثر تماسكاً مما كنا نظن.
ذكر فيكتور تانغرمان في تقرير نشرته مجلة Futurism إن "الكثير من الكويكبات تستطيع النجاة من رحلتها النارية عبر الغلاف الجوي للأرض. وإذا كانت كبيرة بما يكفي، فقد تكون مدمرة للغاية، تماماً مثل نيزك "تشيليابينسك" الذي بلغ طوله 60 قدماً وانفجر فوق منطقة الأورال الجنوبية في روسيا عام 2013، مطلقاً طاقة تعادل 30 ضعف الطاقة الناتجة عن القنبلة الذرية التي ألقيت على هيروشيما".
وفي حال واجهت البشرية صخرة فضائية أكبر حجماً تهدد وجودها، سيتعين علينا ابتكار طرق إبداعية لمنعها من الاصطدام بكوكبنا. ورغم أن صدم مركبة فضائية بالكويكب لتغيير مساره (مثل كرة البلياردو) قد نجح في مهمة ناسا لاختبار إعادة توجيه الكويكب المزدوج (DART) عام 2022، إلا أن هذا الخيار قد لا يكون متاحاً دائماً نظراً لظروف عدم اليقين المحيطة بمثل هذه المهمات.
في ورقة بحثية جديدة نُشرت في مجلة Nature Communications، قام فريق دولي من الباحثين، يضم علماء من منظمة CERN وجامعة أكسفورد، بإعادة النظر في فكرة تفجير الكويكب القادم نحو الأرض باستخدام رأس حربي نووي.
وثمة مخاوف بديهية تطرح نفسها: ماذا لو تحطم الكويكب، مما يحول ضربة قناص كونية دقيقة إلى وابل من الحطام المتناثر الذي يتساقط فوق كوكبنا مثل طلقات "الشوزن"؟
لكن الفريق استخدم جهاز "سوبر بروتون سينكروترون" (SPS) التابع لـ CERN لدراسة كيفية تفاعل مواد الكويكبات مع مستويات مختلفة من الإجهاد البدني، بما في ذلك محاكاة واسعة النطاق للانحراف النووي، ووجدوا أن الصخور الفضائية مرنة بشكل مفاجئ.
وقال كارل-جيورج شليزنجر، المؤسس المشارك لشركة Outer Solar System Company المتخصصة في تقنيات الانحراف النووي والتي شاركت في الدراسة: "تمثل الدفاعات الكوكبية تحدياً علمياً. يجب أن يكون العالم قادراً على تنفيذ مهمة انحراف نووي بثقة عالية، ومع ذلك لا يمكن إجراء اختبار واقعي مسبق".
وفي إحدى التجارب، عرض الفريق عينات من نيزك غني بالمعادن لـ 27 نبضة قصيرة ومكثفة من حزمة بروتونية في منشأة HiRadMat التابعة لـ CERN . وبعد ذلك، نقل الفريق النيزك إلى مصدر "إيزيس" للنيوترونات والميوانات في مختبر رذرفورد أبليتون في المملكة المتحدة لتحليل التغيرات في هيكله الداخلي على المستوى المجهري.
وأوضحت ميلاني بوخمان، المؤسسة المشاركة للشركة ذاتها، قائلة: "لدهشتنا، أصبحت المادة أقوى، وأظهرت زيادة في مقاومة الخضوع yield strength، كما أظهرت سلوكاً مخمداً ذاتي الاستقرار".
وقد يكون لهذا الاكتشاف تداعيات كبرى على كيفية تعاملنا مع الجهود المستقبلية لإعادة توجيه الكويكبات.
وأضافت بوخمان: "تشير تجاربنا إلى أنه، على الأقل بالنسبة للمواد الغنية بالمعادن، يمكن استخدام عبوة نووية أكبر مما كان يعتقد سابقاً دون كسر الكويكب بشكل كارثي. وهذا يبقي خيار الطوارئ مفتوحاً للحالات التي تنطوي على أجسام ضخمة جداً أو أوقات تحذير قصيرة جداً، حيث تكون الأساليب غير النووية غير كافية، وحيث تفترض النماذج الحالية أن التفتت قد يحد من حجم العبوة المستخدمة".
ولحسن الحظ، قد يحصل الباحثون قريباً على بيانات أكثر بكثير. حيث تخطط كل من وكالة ناسا ووكالة الفضاء الأوروبية لدراسة "أبوفيس"، وهو كويكب ضخم يتراوح عرضه بين 1000 و1500 قدم، ومن المتوقع أن يقترب بشكل مخيف من الأرض في أبريل 2029، ليكون على مسافة 20 ألف ميل فقط، وهي مسافة أقرب من العديد من الأقمار الصناعية الثابتة.
وختم الباحثون بيانهم قائلين: "كخطوة تالية، نخطط لدراسة مواد كويكبات أكثر تعقيداً وصخرية، مثل نيازك "بالاسيت" التي تتكون من مصفوفة معدنية بداخلها بلورات غنية بالمغنيسيوم".
وقد يكون لهذا البحث القادم نتائج مذهلة خارج نطاق الدفاع الكوكبي أيضاً، حيث أضافوا: "بما أنه يعتقد أن هذه الأجسام نشأت من حدود اللب والوشاح للكواكب الأولية، فإن مثل هذه التجارب قد توفر أيضاً رؤى قيمة حول عمليات تكوين الكواكب".