القاهرة: مصر.
دخل المنتخب المصري لكرة القدم نهائيات كأس العالم 2026 وهو يحمل طموحات شعب كامل، لكنه خرج من مباراته أمام نيوزيلندا محملاً بما هو أكبر من ثلاث نقاط؛ فقد منح المصريين أول انتصار في تاريخهم بكأس العالم، بعدما قلب تأخره بهدف إلى فوز مستحق بنتيجة 3-1، ليعتلي صدارة مجموعته ويقترب من بلوغ دور الـ32 للمرة الأولى في تاريخه.
جاء الانتصار بعد أداء اتسم بالشخصية والإصرار. فبعد شوط أول انتهى بتقدم نيوزيلندا، عاد المنتخب المصري بقوة في الشوط الثاني، فسجل مصطفى زيكو هدف التعادل، ثم منح محمد صلاح التقدم للفراعنة، قبل أن يصنع قائد المنتخب الهدف الثالث الذي أحرزه محمود حسن "تريزيجيه"، لتتحول المباراة إلى واحدة من أجمل ليالي الكرة المصرية.
ولم يكن الفوز مجرد نتيجة إيجابية، بل محطة تاريخية، إذ أنهى عقودًا من الانتظار منذ أول مشاركة لمصر في كأس العالم عام 1934، ليحقق المنتخب أول انتصار مونديالي بعد مشاركات سابقة في 1934 و1990 و2018، ويؤكد أن الجيل الحالي قادر على كتابة فصل جديد في تاريخ الكرة المصرية.
تاريخ حافل بالبطولات
يعد المنتخب المصري الأكثر تتويجًا في القارة الأفريقية، بعدما أحرز لقب كأس الأمم الأفريقية سبع مرات، أعوام 1957 و1959 و1986 و1998 و2006 و2008 و2010، وهو رقم يعكس مكانته التاريخية في الكرة الأفريقية.
كما يمتلك المنتخب سجلاً حافلاً في المنافسات العربية والإقليمية، وأسهم عبر عقود في تقديم أجيال من أبرز نجوم القارة، ليبقى أحد أكثر المنتخبات العربية حضورًا وتأثيرًا.
جيل يجمع الخبرة والشباب
يعتمد المدير الفني حسام حسن على مزيج متوازن بين أصحاب الخبرة والعناصر الشابة، ويتصدر المشهد القائد محمد صلاح، الذي لا يمثل فقط هداف الفريق وصانع ألعابه، بل مصدر الإلهام داخل الملعب، إلى جانب عمر مرموش الذي يقدم مستويات لافتة، ومحمود حسن "تريزيجيه"، ومصطفى محمد، ومحمد عبد المنعم، وأحمد سيد "زيزو"، وعدد من اللاعبين الذين اكتسبوا خبرات كبيرة في الدوريات الأوروبية والعربية.
وقد ظهر هذا التوازن بوضوح أمام نيوزيلندا، حيث استطاع الفريق استعادة زمام المبادرة بعد التأخر، وهو ما يعكس نضجًا تكتيكيًا وذهنيًا افتقدته منتخبات مصر في مشاركات سابقة.
لماذا يُلقب بـ"فريق الساجدين"؟
عاد لقب "فريق الساجدين" بقوة مع هذه المشاركة، بعدما التقطت عدسات المصورين مشاهد سجود لاعبي المنتخب جماعيًا عقب تسجيل الأهداف وبعد نهاية المباريات، في مشهد أصبح علامة مميزة للمنتخب المصري عبر أجيال مختلفة.
ولا يرتبط اللقب بجيل معين، بل يعكس ثقافة راسخة داخل المنتخب، حيث اعتاد اللاعبون التعبير عن شكرهم لله بسجدة الشكر عقب الإنجازات. ولذلك تحول اللقب إلى رمز للهوية الروحية للفريق، وإلى رسالة تؤكد أن الاحتفال بالنجاح يقترن بالتواضع والامتنان.
وقد اكتسب اللقب بعدًا جماهيريًا وإعلاميًا، إذ أصبح الجمهور العربي يربط المنتخب المصري بصورة اللاعبين وهم يسجدون عقب الانتصارات، حتى صار "فريق الساجدين" واحدًا من أشهر الألقاب المرتبطة بالفراعنة.
هل يستطيع المنتخب تحقيق إنجاز تاريخي؟
تبدو حظوظ المنتخب المصري أفضل من أي وقت مضى. فالفريق يتصدر مجموعته بعد التعادل مع بلجيكا والانتصار على نيوزيلندا، وأصبح مصيره بيده قبل المواجهة الأخيرة أمام إيران، مع وجود فرص قوية للتأهل إلى الأدوار الإقصائية.
ويمتلك المنتخب عدة عناصر تمنحه الأمل في الذهاب بعيدًا:
قائد عالمي بحجم محمد صلاح يعيش واحدة من أفضل فتراته.
مجموعة من المحترفين أصحاب الخبرة الأوروبية.
استقرار فني تحت قيادة حسام حسن.
روح قتالية ظهرت بوضوح في العودة أمام نيوزيلندا.
دعم جماهيري هائل داخل وخارج الملاعب.
ورغم أن المنافسة ستزداد صعوبة في الأدوار المقبلة، فإن الأداء الذي قدمه المنتخب حتى الآن يشير إلى أن الحلم لم يعد مجرد مشاركة مشرفة، بل أصبح البحث عن إنجاز غير مسبوق للكرة المصرية هدفًا واقعيًا.
لقد دخل "فريق الساجدين" كأس العالم حاملاً تاريخًا طويلاً من المحاولات، لكنه خرج من مباراة نيوزيلندا وهو يحمل شيئًا جديدًا: الثقة بأن التاريخ يمكن أن يُكتب من جديد، وأن الفراعنة قادرون على تحويل الحلم الذي انتظرته الجماهير عشرات السنين إلى حقيقة على الملاعب العالمية.