القاهرة: روبوأديب
تتربع مصر في الوقت الراهن على عرش الصادرات الزراعية العالمية بقطاع الفراولة المجمدة، محققة طفرة رقمية غير مسبوقة وضعتها في المركز الأول دوليا بفارق مريح عن أقرب منافسيها.
وتشير البيانات الرسمية الصادرة عن الهيئة العامة للرقابة على الصادرات والواردات والشركاء التجاريين الدوليين إلى أن عام 2025 مثل نقطة تحول تاريخية، حيث قفزت قيمة صادرات الفراولة المجمدة لتصل إلى نحو 697 مليون دولار، مسجلة معدل نمو مذهل بلغ 82% مقارنة بالعام السابق الذي توقفت فيه الأرقام عند حاجز 383 مليون دولار، وهو ما يعكس قدرة القطاع الزراعي المصري على التوسع الرأسي والأفقي في آن واحد.
خريطة النفوذ التجاري من برلين إلى بكين
هذا التفوق المصري ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج استراتيجية متكاملة بدأت ملامحها في الظهور منذ عام 2024 حين سيطرت مصر على أكثر من 27% من حصة السوق العالمي لهذا المحصول.
وتكشف تفاصيل خارطة التوزيع الجغرافي أن المنتج المصري بات المكون الأساسي في كبرى مصانع الصناعات الغذائية في أوروبا وآسيا، حيث تستحوذ مصر وحدها على نحو 70% من إجمالي واردات ألمانيا من الفراولة المجمدة، كما تعد المورد الأول للصين وروسيا، وتنافس بقوة في السوق الأمريكية التي تفرض معايير قياسية صارمة تتعلق بمتبقيات المبيدات والجودة الظاهرية.
البحيرة.. ثورة الطاقة الخضراء في خدمة "المجمدات"
وفي عمق هذا الإنجاز، برزت محافظة البحيرة كمركز ثقل عالمي ليس فقط في زراعة الفراولة، بل في ابتكار حلول تصنيعية مستدامة؛ حيث شهدت المحافظة (وتحديداً في مناطق مركز بدر والمديرية) انطلاق أولى التجارب الناجحة لاستخدام الطاقة الشمسية في محطات الفرز والتجميد.
وتعتمد هذه التجربة على إنشاء محطات طاقة شمسية فوتوفولطية لتشغيل ثلاجات التجميد السريع (IQF)، مما ساهم في خفض تكاليف الإنتاج بنسبة تصل إلى 30%، وضمن استمرارية عملية التبريد دون انقطاع، وهو عامل حاسم للحفاظ على "قوام" الثمار الموجهة للتصدير. هذا التحول نحو الطاقة الخضراء عزز من تنافسية المنتج البحراوي في الأسواق الأوروبية التي تشترط حالياً خفض البصمة الكربونية للمنتجات المستوردة.
سر التميز المصري في الجودة والتنافسية
ويعزو الخبراء والمحللون الاقتصاديون هذا النجاح إلى تبني الدولة المصرية لمنظومة التكويد الرقمي للمزارع، وهي آلية تتيح تتبع المنتج من البذرة وحتى وصوله إلى المستهلك النهائي في الخارج، مما منح المصدر المصري شهادة ثقة دولية بامتثال محاصيله لمعايير سلامة الغذاء العالمية.
وقد ساهم اتساع الرقعة الزراعية المخصصة لهذا المحصول، وتحديدا في محافظتي القليوبية والإسماعيلية والبحيرة، في توفير كميات ضخمة من الخام الموجه للتصنيع، بالتوازي مع تطوير قطاع التعبئة والتجميد الذي يعتمد تقنيات التجميد السريع للحفاظ على الخواص الطبيعية واللونية للثمرة دون استخدام مواد حافظة.
مستقبل الصادرات الزراعية في ظل المنافسة الدولية
وعلى الرغم من المنافسة الشرسة مع دول مثل المكسيك وبولندا والمغرب، إلا أن الميزة التنافسية للفراولة المصرية تكمن في انخفاض تكلفة الإنتاج مقارنة بالجودة المرتفعة، فضلا عن توافرها في توقيتات زمنية تمنحها أفضلية في التوريد خلال فترات الشتاء والربيع.
ولا يقتصر هذا الإنجاز على العائد المادي المباشر، بل يمتد ليكون قاطرة لنمو الصادرات الزراعية المصرية ككل، والتي باتت تشكل رقماً صعباً في معادلة الأمن الغذائي العالمي وتوفير العملة الصعبة للاقتصاد القومي، مع طموحات بالوصول إلى حاجز المليار دولار قريباً لهذا المحصول وحده.